فوزي آل سيف
85
معارف قرآنية
سادسًا وهذا الأهم في كُلِ ذلك وهو أن يتواضع الإنسان في أنه لو أمرهُ القرآن بشيء أن يلتزم به، لو خطَّأَهُ القرآن في بعض أفكاره فإنهُ يأخُذُ به ولا يُصِرُ على أفكاره. وأن يتواضع ولا يعلُو برأسِه “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ” فالتكبُر ليس فقط تكبُرًا أخلاقِيًّا بل أيضا هناك تكبُرٌ في العلم. هذا الكِبر العلمي منبوذ. يُنقل أنهُ في زمان الشيخ مرتضى الأنصاري، وهو أستاذُ أستاذ أستاذ مراجعنا المعاصرين، ولديه الكثير من الكتابات والمؤلفات أشهرُها كتابان الرسائِل والمكاسِب، وكان من الزُهدِ والتواضُعِ والقداسةِ ماهو فوقَ العبارة، وكان يُدّرِسُ في النجف الأشرف، وكان لديه طالبٌ فهمُه ضعيف ولكنه كان دؤوبًا على الحضور للدرس، كان هذا الطالب كُلُ يومٍ يأتي للدرس ويخرجُ كما دخل، لا يستطيع حفظ أو فهم شيء، فقدرات الناس الذهنية تختلف، استمر الحال بهذا الطالب لعدة سنوات فاشتد به الأمر وذهب لزيارة قبر أمير المؤمنين (ع) متألما شاكيا الحال، وطلب منهُ أن يشفعَ لهُ عند الله ليفتحَ عليهِ أبواب الفهم، فلما خرج وذهب إلى بيته رأى في الليل في عالم الرؤيا، كما ينقُل، أن الإمام علي (ع) قد أتاه وقال له “أدنِ أُذُنك” وقال في أُذُنِه “بسم الله الرحمن الرحيم”.. وهذا ليس بقليل فقد ورد أن " بسم الله الرحمن الرحيم أقربُ للإسمِ الأعظمِ من سوادِ العين إلى بياضِها”، فقام الطالبُ من المنامِ مُستبشِرًا وذهب للدرس، فرأى أنه يستوعبُ مطالبَ الشيخ الأنصاري بالكامل، وفوق هذا لديه أسئلة وإشكالات عليه، فبدأ مناقشةَ الشيخ، وكثُرَت الأسئلة فاستغرب الحاضرون، اليوم الثاني والثالث حدث نفسُ الشيء، فأصبح يأخذُ فترةً طويلةً من الدرس في المناقشات والمناظرات، وأصبح لا يقبلُ بكلامِ الشيخ إلى أن طَالَبَ بعضُ الطلبة الاستاذ الشيخ الأنصاري بإنهاءِ هذا الوضع لأن وقت الدرس يضيع، فالشيخ الأنصاري حفاظًا على الدرس طلب من الطالب الحضور إليه، فدنى الشيخ من أُذُنِه وقال له “من قرأ لك بسم الله الرحمن الرحيم في أذنك كان قد قرأ لنا - ولا الضالِّين -” أي لا ينبغي للإنسان أن يكون هكذا، فهو بحاجةٍ إلى أن يتواضع سواء كان عالم دينٍ أو مُثقف، وهذي نصيحة إلى الُمثقفين وإلى أمثالي من صغار الطلبة، فلا تتصور أن ما لديك هو علمُ الأول والآخر، وأن غيركَ لا يفقهُ شيئًا. ما يحتاجه المفسرون من علوم قال تعالى ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )[156] حديثنا بإذن الله تعالى يتناول بعض ما يحتاج إليه المفسّر من أدوات علمية لكي يفسّر القرآن الكريم ، حيث أنّه من الواضح أننا نشهد في هذه الفترة محاولات كثيرة لتفسير القرآن الكريم سواء كانت من أتباع مدرسة الخلفاء أو من أتباع
--> 156 ) الزمر / 27